أحمد بن ابراهيم النقشبندي

281

شرح الحكم الغوثية

لأن المقصود من العلم العمل كما أن المقصود من الشجر الثمر ، فعلم بلا عمل كشجر بلا ثمر ، فمن اكتفى بالكلام في العلم دون الاتصاف بحقيقة التحلي بحليته تزندق : أي صار ظاهره مخالفا لباطنه : إذ الزنديق من يظهر شيئا ، ويبطن خلافه ، وهذا كذلك يظهر العلم ويبطن ويتصف بخلافه ، ومثل هذا منقطع عن فائدة العلم وثمرته ، بل الجاهل أحسن منه حالا ؛ لأن ذاك معذور بجهله ، وهذا ارتكب الفعل القبيح مع علمه ، فالحجة عليه أكد ، وذنبه أشد ، وكذلك قيل : فعالم بعلمه لم يعملن * معذّب من قبل عبّاد الوثن فاجتهد أيّها الأخ أن يكون مقصدك من العلم العمل بمقتضاه ، واصحب من يدلك على ذلك من المؤدبين البالغين من هذا المقام منتهاه . 146 - من لم يأخذ الأدب من المؤدبين أفسد من تبعه . لا بدّ في الطريق من شيخ كامل مكمل ، قد سلك الطريق مع الرفيق ، ورأى محاجه ، وعلم مستقبحه ، وأدرك اعوجاجه ، وعرف آفات الطريق وقواطعه ، وشاهد المنازل ، وعرف المناهل ، وقطع الفيافي والقفار ، وجاوز العقبات ، وترك الشهوات ، وباين الأغيار ، وجدّ في مسيره ، وشد المئزر في الخدمة بالليل والنهار ، حتى تحقّق له إعلام تلك المعالم ، وتشرّف بالوصول إلى ثرى تلك الأعتاب ، وفاز بالمغانم ووقف عند ذلك الباب بكمال الآداب ، حتى أذن له بالدخول ، والجلوس في منازل الأحباب ، وشرف عند ذلك بالخطاب ، وصار من أهل المحاورة والمشاورة ، وظفر بكل معنى مستطاب ، فمثل هذا الشيخ حقيق ، تأخذ عنه وتتأدّب بآدابه ، وتسلك الطريق معه ، وتكون من أصحابه ، وتعض بالنواجذ على ملازمته طول عمرك ؛ لعلّك تظفر بالمقصود ، وتصير من المؤدبين المتصفين بصفة الكمال ، ينصلح بك من تبعك ويسور ، ومن لم يأخذ من المؤدبين المتصفين بصفة الكمال أفسد من تبعه ، وفسد هو ، وتغيّرت عليه الأحوال . فعليك أيّها الأخ بالصدق في الطلب ، تظفر بكنز الذي تطلبه ، واعبد مولاك بفقه فيه وورع يعينك على ذلك ، ويحصل لقلبك مطلبه .